خلال السنوات العشر الماضية انتشرت شائعات تفيد بأن شرب الكحول بعد التمرين قد يكون مفيدًا، بحجة أن مشروبات مثل البيرة تحتوي على كربوهيدرات يمكن أن تساعد في تعويض الطاقة. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف يؤثر الكحول فعليًا على نمو العضلات؟
في المتوسط، تحتوي علبة البيرة الواحدة على حوالي 14 غرامًا من الكربوهيدرات فقط، وهي كمية تُعد غير كافية إطلاقًا للاعتماد عليها كوسيلة فعالة لإعادة تعبئة مخازن الكربوهيدرات بعد التمرين [1].
عند الحديث عن بناء العضلات، فإن العامل الأهم الذي يتم التركيز عليه هو تصنيع البروتين العضلي. وقد أُجريت عدة دراسات علمية لدراسة تأثير الكحول على هذه العملية، إلا أن نتائج هذه الدراسات جاءت متباينة، مما زاد من الجدل حول هذا الموضوع [2].
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا من الصعب تحديد ما إذا كان شرب الكحول مقبولًا أو غير مناسب عند محاولة بناء العضلات؟
في الفقرات التالية، ستتعرف على ما توصلت إليه العديد من الدراسات العلمية، بالإضافة إلى آراء 21 خبيرًا في مجال اللياقة البدنية والتغذية حول هذا الموضوع. وقد تكون بعض النتائج مفاجئة، لكنها مبنية بالكامل على أدلة علمية وتحليل واقعي للبيانات المتوفرة.
التركيز في هذا الطرح ليس على شرب البيرة بهدف تحفيز تصنيع البروتين العضلي، بل على فكرة إعادة تحميل الكربوهيدرات السريعة التي يوفرها الكحول.
المشكلة بدأت عندما تساءل الباحثون: هل هذه الكربوهيدرات الناتجة من شرب الكحول تستحق المخاطرة، إذا كان ذلك قد يؤثر سلبًا على نمو العضلات؟
دعنا الآن نلقي نظرة شاملة على الأدلة العلمية، الادعاءات المنتشرة، والنصائح العملية التي يقدمها الخبراء حول شرب الكحول وبناء العضلات.
ما هو تصنيع البروتين العضلي بالضبط؟
لفهم ما تتحدث عنه الدراسات وآراء الخبراء، يجب أولًا أن نفهم ما المقصود بعملية تصنيع البروتين. غالبًا ما نسمع هذا المصطلح يتكرر بكثرة عند الحديث عن بناء العضلات، لكن الكثير لا يدرك معناه الحقيقي أو كيف يعمل داخل الجسم.
تصنيع البروتين العضلي هو العملية التي يقوم فيها الجسم بتكوين خلايا بروتينية جديدة اعتمادًا على البروتين الذي تحصل عليه من الطعام. تبدأ هذه العملية عندما يرسل الجسم إشارات تفيد بحاجته إلى إصلاح العضلات واستشفائها، وغالبًا ما يحدث ذلك بعد أداء التمارين الرياضية [3].
عند ممارسة تمارين المقاومة، تتعرض ألياف العضلات لتمزقات مجهرية دقيقة. هذه التمزقات هي السبب الرئيسي للشعور بالألم والتيبّس بعد ساعات من التمرين، حيث تكون الألياف العضلية في حالة التهاب مؤقت.
بعد ذلك، يتم توجيه الخلايا البروتينية الجديدة — الناتجة عن استهلاك كمية كافية من البروتين — إلى ألياف العضلات، بهدف إصلاح أو استبدال الخلايا المتضررة.
النتيجة النهائية لهذه العملية هي تكوين ألياف عضلية أقوى وأكثر كثافة، وهو ما يفسّر لماذا تبدو العضلات أكبر حجمًا وأكثر صلابة مع مرور الوقت والالتزام بالتدريب والتغذية الصحيحة [4].
ولا يزال الجدل العلمي قائمًا حول ما إذا كانت الخلايا البروتينية التالفة يتم استبدالها بالكامل أم إصلاحها وتكبيرها فقط. لكن بغض النظر عن هذا التفصيل، فإن النتيجة النهائية واحدة: نمو العضلات بعد اكتمال مرحلة التعافي.
الكحول وتصنيع البروتين: ماذا تقول الدراسات العلمية؟
عند مراجعة الدراسات العلمية، لا يكفي النظر إلى النتيجة النهائية فقط، بل يجب الانتباه إلى طريقة إجراء الدراسة ونوع العينة التي أُجريت عليها، لأن هذه التفاصيل تؤثر بشكل مباشر على دقة الاستنتاجات.
أظهرت دراسات أُجريت على الفئران أن حقن الكحول أدى إلى انخفاض تصنيع البروتين العضلي بنسبة وصلت إلى 25% بعد 2.5 ساعة فقط [5].
كما أوضحت دراسات مخبرية على الخلايا المعزولة أن تعريض الخلايا لتركيز مرتفع من الكحول تسبب في انخفاض تصنيع البروتين بنسبة 15–20% خلال 24 ساعة [6].
في المقابل، أظهرت دراسة بشرية أن استهلاك 30–40 غرامًا من الكحول يوميًا لم يكن له تأثير ملحوظ على تصنيع البروتين العضلي، مما يؤكد أن نتائج الدراسات الحيوانية والمخبرية لا يمكن إسقاطها مباشرة على البشر [7].
الكحول وإنتاج هرمون التستوستيرون: ماذا تقول الدراسات؟
يُعد هرمون التستوستيرون الهرمون الجنسي الأساسي لدى الرجال، مع أن النساء يُنتجن كميات أقل منه. وترتبط المستويات المرتفعة من التستوستيرون بزيادة الكتلة العضلية الخالية من الدهون، وتحسن الأداء البدني والطاقة [8].
عند انخفاض مستويات التستوستيرون، تضعف قدرة الجسم على بناء العضلات بشكل واضح، وهو ما دفع الباحثين لدراسة تأثير الكحول على هذا الهرمون تحديدًا.
في دراسة شملت 10 رجال و9 نساء استهلكوا 30–40 غرامًا من الكحول بعد التمرين لمدة 3 أسابيع، لوحظ انخفاض متوسط في التستوستيرون بنسبة 7% فقط، وهو انخفاض محدود من الناحية العملية [9].
لكن دراسة أخرى من جامعة هلسنكي استخدمت جرعات أعلى بكثير، حيث تم إعطاء المشاركين 1.5 غرام من الإيثانول لكل كغ من وزن الجسم. وأظهرت النتائج انخفاضًا حادًا في التستوستيرون بنسبة وصلت إلى 23% بعد 10–16 ساعة من الاستهلاك [10].
تشير هذه النتائج بوضوح إلى أن الاستهلاك المرتفع للكحول هو العامل الرئيسي في التأثير السلبي على التستوستيرون، وليس مجرد الاستهلاك الخفيف أو العرضي.
والخلاصة أن هذه الدراسات لم تختبر سيناريو “علبة بيرة واحدة بعد التمرين”، بل استخدمت جرعات مرتفعة لدراسة حدود تحمل الجسم. وهو ما يؤكد أن الإفراط في الكحول قد يعيق نمو العضلات، بينما الاستهلاك المحدود يختلف تأثيره حسب الكمية والسياق.
المراجع العلمية
- القيم الغذائية للبيرة ومحتواها من الكربوهيدرات.
المصدر - تأثير الكحول على تصنيع البروتين العضلي.
المصدر - شرح آلية تصنيع البروتين العضلي بعد التمرين.
المصدر - دور البروتين والتعافي في نمو العضلات.
المصدر - تأثير الإيثانول على تصنيع البروتين العضلي في الدراسات الحيوانية.
المصدر - تأثير الكحول على الخلايا العضلية في الدراسات المخبرية.
المصدر - دراسة بشرية حول استهلاك الكحول وتصنيع البروتين.
المصدر - العلاقة بين التستوستيرون ونمو الكتلة العضلية.
المصدر - تأثير الاستهلاك المعتدل للكحول على التستوستيرون بعد التمرين.
المصدر - تأثير الجرعات العالية من الكحول على هرمون التستوستيرون.
المصدر

